مجدي لطفي يكتب: المسرح لم يمت… لكننا قتلنا الدهشة
![]() |
| الفنان مجدي لطفي المخرج المسرحي |
لطالما كان المسرح هو أبو الفنون، والمساحة الأصدق للتواصل بين الفنان والجمهور، لكننا اليوم نقف أمام سؤال صعب ومؤلم:
لماذا ابتعد الناس عن المسرح؟
وهل المشكلة في الجمهور، أم في المسرح نفسه، أم فيمن يصنعونه؟
الحقيقة التي لا يجب الهروب منها أن المسرح لم يعد كما كان، ليس لأنه فقد قيمته، بل لأنه فقد قدرته على الإدهاش. الجمهور لم يتغير وحده، بل تغيّر الزمن، وتغيّرت أدوات الترفيه، وتغيّرت طريقة تلقّي الفن، بينما ظل المسرح في كثير من الأحيان واقفًا عند نفس النقطة، يكرر نفسه، وينتظر أن يعود إليه جمهور لم يعد موجودًا بنفس الشكل.
في الماضي، كان المسرح حدثًا كاملًا.
مسرح التلفزيون، ومسرح نجيب الريحاني، وفؤاد المهندس، وعادل إمام، لم يكونوا مجرد عروض، بل مناسبات اجتماعية، وضحكات حقيقية، وتجربة يعيشها المتفرج من لحظة خروجه من بيته حتى عودته.
كان المسرح كومبليت: نص قوي، تمثيل صادق، إخراج واعٍ، وإحساس بأن ما يحدث على الخشبة يخصّ الناس فعلًا.
اليوم، المشهد تغيّر.
أصبح الذهاب إلى المسرح عبئًا على كثيرين: تكلفة التذكرة، المواصلات، الوقت، وكل ذلك في مقابل عرض قد لا يقدّم ما يوازي هذا المجهود. وفي المقابل، أصبح المشاهد محاطًا بعشرات البدائل السهلة، وهو جالس في مكانه، يشاهد، يغيّر، يملّ، ثم ينتقل لغيره.
لكن تحميل الجمهور وحده المسؤولية هو هروب من الحقيقة.
الأزمة الحقيقية في رأيي تكمن في فقر الرؤية الفنية لدى بعض العروض، وضعف الجرأة في التطوير، والاعتماد على حلول سهلة، أو نصوص مكررة، أو إخراج بلا روح.
كثير من العروض لا تحاول حتى أن تفهم المتفرج الجديد، ولا تحترم وعيه، ولا تخاطب خياله.
المسرح اليوم يحتاج إلى دهشة حقيقية، لا بالمعنى الاستعراضي الفارغ، بل بدهشة نابعة من الفكرة، ومن الصورة، ومن العلاقة بين الخشبة والجمهور.
نحتاج إلى إعادة التفكير في شكل العرض، في الإضاءة، في الحركة، في الإيقاع، وفي كيفية جذب عين المتفرج منذ اللحظة الأولى.
أنا أؤمن أن الإبهار لم يعد رفاهية، بل ضرورة.
ليس المقصود إبهارًا سطحيًا، بل رؤية بصرية وفكرية تجعل المتفرج يشعر أنه داخل تجربة مختلفة، وأن المسرح ما زال قادرًا على منافسة كل ما حوله، ليس بالتقليد، بل بالتميز.
كما أن المسرح لا يمكن أن يعيش دون مخاطرة.
العرض الآمن لا يصنع جمهورًا، والرضا بالحد الأدنى لا يعيد الناس إلى القاعة. المسرح الحقيقي هو الذي يطرح سؤالًا، ويهزّ فكرة، ويترك أثرًا بعد إسدال الستار.
المسرح لم يمت، لكنه متروك.
متروك لغياب التطوير، وللخوف من التغيير، وللاكتفاء بما كان يصلح في زمن آخر. وإذا أردنا عودة الجمهور، فعلينا أولًا أن نعيد احترامه، وأن نعيد للمسرح مكانته كفن حي، نابض، ومتصالح مع عصره.
في النهاية، أرى أن الحل لا يكمن في الشكوى من ابتعاد الناس، بل في سؤال أنفسنا بصدق:
ماذا قدّمنا لهم ليعودوا؟
✍️ مجدي لطفي
مخرج مسرحي وسينمائي
من هو مجدي لطفي
https://magdy-lotfy.blogspot.com/p/blog-page_03.html

تعليقات
إرسال تعليق